المحدث الهرري في عيون أهله
أهل هرر من حيث العقيدة على أصول الإمام أبي الحسن الأشعري، وهم في الفروع يغلب عليهم مذهب الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ومن حيث الطريقة فإنهم إما قادرية - وهم الأغلب - وإما رفاعية.
ومما يظهر مكانة وقدر المحدث الهرري عند أهل هرر كونهم جميعًا يقبّلون يده وركبته عند لقائه، وإذا سأله شخص مسألة اكتفى بإجابة الشيخ، قائلًا له بأدب راقٍ: «رضي الله عنكم».
وجميع مؤلفات المحدث الهرري هي جوهرة ثمينة وكنز نفيس عند من يملكها، وهي مستعانهم القوي في إخراج الأدلة والبراهين الدامغة لمحاربة أهل البدع والضلال من مُشبهة وغيرهم. علمًا أن من عادة الهرريين في بيوتهم وجود مصحف مخطوط باليد يوضع في مكتبة البيت فوق الكتب الشرعية.
وأما أقوالهم التي أظهرت محبتهم للمحدث الهرري فقد كثرت على أفواههم، فقد قال بعضهم: «الشيخ أمانتنا التي فقدناها منذ خمسين سنة، وها هي قد عادت إلينا فلن نستغني عنها، ولو اضطرنا الأمر إلى أن نفترش الأرض أمام سيارته حتى يبقى معنا ولا يغادرنا فسوف نفعل ذلك».
أما أخوه الشيخ علي فقد قال: «ما رأيته في حياتي يلعب معنا كما يلعب غيره من الأطفال، وكان يغيب إلى المشايخ والعلماء فلا يرجع إلى البيت إلا قبيل الفجر وهو دون العاشرة بينما الرجال الأشداء في البلد كانوا لا يتجرأون على أن يخرجوا بعد العشاء لكثرة الضباع التي كانت تتجول بين البيوت. ولما بلغ الخامسة عشرة كان يخرج إلى خارج مدينة هرر وينتقل بين المشايخ والنواحي ويغيب الأيام والأسابيع والشهور في طلب العلم».
وأما الشيخ محمد إدريس الذي كان أحد معارفه القدامى فقال مادحًا إياه: «كان الشيخ وما زال من أهل الزهد والتصوف، وكنت أعمل جزارًا وأدعوه إلى أن يأكل اللحم فلا يرضى، بل يكتفي بالشاي والخبز واللبن الذي كان طعامه في كل الأوقات».
وقال أحد زواره من أعيان البلد: «كان الشيخ إذا دخل بلدًا يتعلق به أهلها ويبنون له مسجدًا ويهيئون له بيتًا ليزوجوه إحدى بناتهم ويسكن عندهم، ولكنه كان يضع أحد تلاميذه في المسجد ويرحل إلى بلد ءاخر لينشر الدين ويعلم الناس».
وقال أحدهم: «كان مشهورًا عن المحدث الهرري محاربته للضلال والبدع أنَّى وُجدت، فكان إذا سمع بالبدعة يمشي إليها حالا ولا يكترث للمسافات الطويلة التي قد تصل إلى مئات الكيلومترات والتي قد يقطعها مشيًا على الأقدام، ولا بالوقت الذي قد يستغرق أيامًا».
إن تمسك أهل هرر بعالمهم ومفتي بلادهم الذي نشأ بينهم وتعظيمهم واحترامهم له، لم يكن أوهامًا أو سرابًا، فقد نشأ ذلك من توقد ذكائه وسعة حفظه وحبه لطلب العلم من أهل العلم الكبار، ووقوفه عند حدود الشريعة منذ نعومة أظفاره، إلا أن الشيخ عبد الله الهرري اختار أن يكون معلمًا للخير في أقطار الدنيا، فينتفع به المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها.
وكأني بالشاعر قد عناه بقوله:
لله قوم إذا حلّوا بمنزلة |
|
حل السرور وسار الجود إن ساروا |
تحيا بهم كل أرض ينزلون بها |
|
كأنهم لبقاع الأرض أمطار |