كتب ومتون كتاب قصص الأنبياء

عمل يوسف عليه الصلاة والسلام لإبقاء أخيه بنيامين عنده (1)

قصص الأنبياء

couv-c100-africa أكرم يوسفُ عليه الصلاة والسلام إخوته وأحسن ضيافتهم، ثم أوفى لهم الكيل من الطعام وحمَّل بنيامين بعيرًا باسمه كما حمَّل لهم، ثم لما وفَّاهم كيلهم وقضى حاجتهم جعل السقاية ـ وهو الإناء الذي كان يشرب فيه الملك ويكيل به الطعام وقيل: كان مرصّعا بالجواهر ثمينًا ـ في رَحلِ أخيه ومتاعه وإخوته لا يشعرون، فلمّا ارتحلوا مسافة قصيرة أرسَل الطلب في أثرهم فأدركوهم ثم نادى مناد فيهم قائلا: أيتها العير ـ أي القافلة التي فيها الأحمال ـ إنكم لسارقون قفوا، قيل: ثم وصل إليهم رسول يوسف ووكيله وأخذ يُوَبخهم ويقول لهم: ألم نكرم ضيافتكم ونوفّكم كيلكم ونحسن منزلتكم ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم وأدخلناكم علينا في بيوتنا وأنتم تسرقون؟.
فائدة: فإن قيل: كيف نادى المنادي بأنهم سارقون وهم في الحقيقة لم يسرقوا؟ أجيب: أن المنادي نادى وهو لا يعلم أن يوسف عليه السلام أمر بوضع السقاية في رحل أخيه، أو يكون المعنى إنكم لسارقون فيما يظهر لمن لا يعلم حقيقة أخباركم. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [سورة يوسف/70].
و لَمّا أقبل المنادي ومن معه على إخوة يوسف يتّهمهُم بالسرقة قال إخوة يوسف عليه السلام: ماذا تفقدون؟ أي ما الذي ضلّ عنكم وضاع؟ فقالوا لهم: نفقدُ صُواع الملك ولمن جاء به ودَلّ عليه فله حِملُ بعير من الطعام وأخبرهم المنادي أنه الكفيل بالوفاء بالحمل لمن ردّه.
يقولُ تعالى: ﴿قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ [سورة يوسف 71-72]. فلما سمع إخوةُ يوسف عليه السلام ما قاله المنادي ومن معه من حاشية الملك قالوا لهم: ما جئنا لنفسد ولسنا سارقين كما قال الله تعالى: ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [سورة يوسف/73] فحلفوا بالله وقالوا: أنتم تعلمون أننا ما جئنا للفساد والسرقة، ونفوا أن يكونوا سارقين، وهنا رَدّ عليهم منادي الملك وأصحابه: فما جزاءُ من توجدُ في متاعه سقاية الملِك إن كنتم كاذبين في قولكم وما كنا سارقين، فَأَجابهم إخوةُ يوسف: إنَّ جزاء من توجدُ في متاعه ورحله سقاية الملك أَن يُستَعبدَ بذلك وقيل: إن هذه كانت سُنَّة ءال يعقوب وهذه كانت من شريعتهم وهي شريعة يعقوب وهي أن السارق يُدفعُ ويُسلَّم إلى المسروق منه. ﴿قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يوسف 74-75].
ولَمّا قال إخوة يوسف عليه السلام مقالتهم وأن جزاء من تُوجد معه سقاية الملك أن يُؤخذ ويستعبد فتّش رسول الملك الأوعيةَ وبَدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيهم بنيامين مبتدئًا بالكبير ومنتهيًا بالصغير لإزالة التهمة وليكون أبلغ في الحيلة، فوجد سقاية الملك في وعاء أخيهم بنيامين فاستخرجها منه، فأخذ بنيامين وانصرف به إلى يوسف عليه الصلاة والسلام، يقولُ الله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة يوسف/76].
ومعنى قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي لولا اعتراف إخوة يوسف بأن جزاءَ من وُجد المسروق في رحله فهو جزاؤه لما كان يَقدر يوسف عليه السلام على أخذ بنيامين منهم في سياسة وقانون ملك مصر حينئذٍ، وذلك لأنه كان من سياسة وقضاء الملك الحاكم وقانونه أنَّ من سَرَق إنما يُضرب ويغرّم، وبيان ذلك أيضًا أنه لو أجرى يوسف أخاه على حكم الملِك وقانونه وسياسته لما أمكَن ليوسُفَ الصدِّيق عليه السلام أن يَحبسَ أخاه بنيامين عنده، فأجرى الله على ألسنة إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق، فكان ذلك مما ألهمه الله ليتوصل إلى حجز بنيامين عنده لما سيترتب على ذلك الأمر من مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وأمه وإخوته وقومه ووفودِهم إليه في بلاد مصر.
وأما معنى قوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ المعنى نَرفعُ الدرجات بصنوفِ العطاء وأنواعِ الكرامات وأبواب العلوم وقهر الهوى والتوفيق كما رفعنا يوسف عليه السلام، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ أي فوق كل ذي علم رفعه الله بالعلم من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى الله تبارك وتعالى الموصوف بإحاطة علمه لكل شىء.
ولما شاهد إخوةُ يوسفَ عليه السلام رسول الملك ومناديه يستخرج سِقاية الملك وصُواعه من متاع بنيامين مُلِئوا غيظًا على بنيامين لما وقعوا فيه من الوَرطة والغمّ والهم و ﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [سورة يوسف/77] يقصدون أخاهم يوسف عليه السلام، قيل: إنهم يقصدون بذلك السرقة التي نَسَبُوها ليوسف وهي أنه رأى مرة صنمًا في بيت بعض أقاربه من جهة أمه، فأخذه وكسره وأتلفه فاعتبروا ذلك سرقة جَهلا بحقيقتها، وقيل: قصدوا بالسرقة أنه كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء والمساكين، فَأخفى يُوسف عليه السلام هذه التُّهمة في نفسه ولم يجاهرهم بها.
يقولُ الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [سورة يوسف/77] ولَمّا أراد يوسف عليه السلام أن يحبس بنيامين عنده ووجد إخوته أنه لا سبيل لهم إلى تخليصه منه، سألوه أن يُطلقَه ويُعطوه واحدًا منهم بديلا عنه وقالوا ليوسف: يا أيها العزيز إنّ له أبا شيخًا كبيرًا متعلقٌ به مُغرمٌ بحبه فخذ أحدًا منا بدلا من بنيامين وأخل سبيله إنَّا نراك من المحسنين، قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة يوسف/78].
لكنَّ يوسف الصديق رفض إخلاء سبيل أخيه بنيامين وقال لإخوته ما حكاه الله عنه: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ﴾ [سورة يوسف/79]. ولَمّا استيأسَ إخوةُ يوسف عليه السلام من أخذ أخيهم من يوسف بطريق المبادلة وأن يجيبهم إلى ما سألوه، خلا بعضهم ببعض واعتزلوا الناس ليس معهم غيرهم وصاروا يتناجون ويتناظرون ويتشاورون ثم قال كبيرهم وهو روبيل: لقد أخذ أبوكم عليكم ميثاقًا وعهدًا في حفظ أخيكم بنيامين ورَدّه إليه إلا أن تغلبوا كلكم عن الإتيان به، وها أنتم تفرطون فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله، فلن أزال مقيمًا ههنا في بلاد مصر لا أفارقها حتى يأذن لي أبي في القدُوم أو يقدرني الله على ردِّ أخي إلى أبي، ثم أَشَار إليهم وطلب منهم الرجوع إلى أبيهم يعقوب وإخباره بما كان من سرقة أخيهم بنيامين لصُواع الملك، وأنّهم ما شهدوا عليه بالسرقة إلا بما علموا من مشاهدة إذ وجدوا الصُّواع في أمتعته، ثم طلب منهم أخوهم الكبير روبيل أن يقولوا لأبيهم: إن كنت مُتهما لنا ولا تصدقنا على ما نقول من أن ابنك سرق فاطلبوا منه أن يسأل أهل القرية التي كنا فيها وهي مصر وأهل العير وهي القافلة التي أقبلنا فيها عن خبر ابنك بنيامين لأن أَمرَ بنيامين اشتهر بمصر وعلمته القافلة التي كنا فيها وإنا لصادقوك فيما أخبرناك، يقول تبارك وتعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ * وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [سورة يوسف 80-82].
------------------

1-فعل يوسف ذلك لمصلحة دينية، حتى يحصل على استبقاء أخيه بنيامين عنده.

قصص الأنبياء
القسم الثالث

قائمة -3- من قصص الأنبياء