إنَّ الحَمدَ لله نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكرُهُ ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالنا، مَن يهدِ الله فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، نَحْمَدُهُ سبحانَهُ وتعالى فإنَّهُ لم يَزَلْ حليمًا غَفورًا، ونشهدُ أنْ لا إلـهَ إلا الله شهادةً نكونُ بها يومَ الحسابِ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ إلى أهلِهِ مسرورًا، ونشهدُ أنّ سيّدَنا محمّدًا رسولُهُ ومُصْطَفاهُ الذي انْجَلَتْ محاسِنُهُ شمُوسًا وبُدورًا، صلى الله عليه وسلم وعلى الذينَ أظْهَرَ الله بِهِم دينَهُ من الأنبياء وجَزاهُمْ بما صَبَروا جَزاءًا مَوْفُورًا.
أمّا بعدُ فإِنّي أوصيكُم ونَفْسي بتقوَى الله العليّ القديرِ، القائلِ في مُحْكَمِ كِتابِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *﴾ [سورة ءال عمران] .
فالإسلامُ هوَ الدّينُ الحقُّ، هو الدّينُ العظيمُ الذي رَضِيَهُ الله تعالى لعبادِهِ، هوَ الدِّينُ الذي جاءَ بهِ كلُّ الأنبياءِ مِنْ لَدُنْ ءادَمَ أَوَّلِ الأنبياءِ والرُّسُلِ إلى خاتَمِ الأنبياءِ محمَّدٍ صَلواتُ ربّي وسَلامُهُ عليهِم أجْمَعينَ.
فالحمدُ لله الذي هَدانَا لهذا الدّينِ الذي يَعْلو ولا يُعْلَى عليهِ فمَهْمَا كَثُرَ الظُّلْمُ والظلاَمُ والظَّالمونَ ومهْما كَثُرَ الفسادُ والمُفسِدونَ ومهْما كَثُرَ الجهْلُ والجاهِلونَ فإنَّ دينَ الله لا بدَّ أنْ ينتَصِرَ، دينُ الله لا بدَّ أنْ ينتصرَ، دينُ الله لا بدَّ أنْ ينتصرَ، وإنَّنَا نأْخذُ مِنَ الحوادِثِ التي حَصَلَتْ في يومِ العاشرِ مِنْ محرَّمٍ عِبَرًا عَظيمَةً.
فيومُ العاشِرِ منْ محرَّمٍ أيْ يومُ عاشوراءَ مَشْحُونٌ بالخيراتِ والفضائِلِ والحوادِثِ والعِبَرِ والدّروسِ، وهو مشهورٌ عندَ الأواخِرِ والأوائِلِ، وقد جَعَلَ الله صوْمَ يومِ العاشِرِ مِنْ المُحَرَّمَِِ سُنَّةً وليسَ بواجبٍ وإنَّما لَمْ يَجِبْ صومُهُ لِخَبَرِ الصّحيحَيْنِ: «إنَّ هذا اليومَ يومُ عاشوراءَ ولمْ يكتبِ الله عليكُمْ صِيامَهُ فَمَنْ شاءَ فَلْيَصُمْهُ ومنْ شاءَ فليُفْطِرْ» . في هذا اليوم تابَ الله على سيدنا ءادمَ، وفيهِ نَجَّى سيدنا نوحًا وأنْزَلَهُ مِنَ السَّفينةِ مَحْفُوفًا بالنَّصْرِ، وفيهِ أنْقَذَ الله سيدنا إبراهيمَ من نُمرودَ، وفيهِ رَدَّ الله سيدنا يوسُفَ على سيدنا يعقوبَ، وفيه أظْهَرَ سيدنا موسى على فِرعونَ وفَلَقَ لهُ ولِبَنِي إِسرائيلَ البحرَ، وفيهِ أُخْرِجَ سيدنا يونُسُ مِنْ بَطْنِ الحوتِ وكُشِفَ ضُرُّ سيدنا أيُّوبَ، وفيهِ حَصَلَتْ غَزْوَةُ ذاتِ الرّقَاعِ ، وفيهِ أيْ في يومِ عاشوراءَ في يومِ الجمعةِ في سَنَةِ إِحْدَى وسِتِّينَ من الهجرةِ كانتِ الفاجِعَةُ التي ألَمَّتْ بالمسلمينَ بِمَقْتَلِ سِبْطِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، بِمَقْتَلِ أبي عبدِ الله الحُسينِ ابنِ عَلِيّ حفيدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ابنِ ابْنَتِهِ فاطِمَةَ رضيَ الله عنْها على أيْدِي فِئَةٍ ظالِمَةٍ فَمَاتَ الحسينُ شَهيدًا وهوَ ابنُ سِتّ وخمسينَ سَنَةً وهُوَ الذي قالَ فيهِ جَدُّهُ صلى الله عليه وسلم وفي أَخِيهِ «الحسنُ والحسينُ سيّدا شبابِ أهلِ الجنةِ» رواه الترمذيُ وأحمدُ والطبرانيُ. وقال: «حسينُ مِنّي وأنا مِنْ حُسيْن» أيْ محبَّتِي لهُ كامِلَةٌ.
ولقدْ حصل في يومِ العاشِرِ منَ المحرَّمِ عبرَ الزمانِ أحداثٌ وأمورٌ مِنْها: أَنَّ الله أعْطَى المُلْكَ لسليمانَ عليهِ السلامُ الذي أكرَمَهُ الله عزَّ وجَلَّ بِنِعَمٍ كثيرةٍ وخَصَّهُ بِمَزايَا رائعةٍ كانتْ عُنْوانًا لِلْعَظَمَةِ والمَجْدِ ومَظْهَرًا ِمنْ مظاهِرِ المُلْكِ العظيمِ والجاهِ الكبيرِ والدَّرَجَةِ العاليةِ عندَ الله سبْحانَهُ؛ فَقَدْ فَضَّلَهُ الله تعالى بالنُّبُوَّةِ وتَسْخِيرِ الشياطينِ والجنّ والإنسِ، وأعطاهُ الله عزَّ وجَلَّ عِلْمًا بالقَضاءِ وتسبيحِ الجبالِ، وَقَدْ علَّمَهُ الله تبارَكَ وتعالى مَنْطِقَ الطَيْرِ ولُغَتَهُ وسائِرَ لُغاتِ الحيواناتِ، فكانَ يَفهَمُ عنْها ما لا يَفْهَمُهُ سائِرُ النَّاسِ.
وقد سخَّرَ الله تعالى لنبِيّهِ سُليمانَ عليهِ السّلامُ الرّيحَ فكانَت تَنْقُلُهُ إلى أيِّ أطرافِ الدّنيا شاءَ.
ومن نِعَمِ الله تعالى على سُليمانَ عليهِ السّلامُ أنَّ جنودَهُ كانوا مِن الجِنّ والإنْسِ والطَّيْرِ، وكان سليمانُ عليهِ السّلامُ قَدْ نَظَّمَ لهمْ أعمالَهُم ورَتَّبَ لهُمْ شئونَهُمْ، فكانَ إذا خَرَجَ خَرَجُوا مَعَهُ في موكِبٍ حافِلٍ مَهِيبٍ يُحيطُ بهِ الجُنْدُ والخَدَمُ مِنْ كلّ جانِبٍ؛ فالإنْسُ والجِنُّ يسيرونَ معَهُ سامِعِينَ مُطِيعينَ، والطَيْرُ بأنواعِها تُظِلُّهُ بأَجْنِحَتِها مِنَ الحَرّ وغيرهِ، وهذا كُلُّهُ مِنْ فَضْلِ الله على عبْدِهِ ونَبِيّهِ سُلَيْمانَ عليهِ السلامُ الذي كانَ عبْدًا مُطيعًا زاهدًا، طعامُهُ خُبْزُ الشعيرِ، أَوَّابًا داعِيًا إلى عبادةِ الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وكانَ مِنْ عبادِ الله الشاكرينَ فهوَ القائِلُ للفَلاَّحِ الذي نَظَرَ إليهِ وهوَ على بِساطِ الرّيحِ وقالَ: «إنَّ الله أعْطى ءالَ داودَ مُلْكًا عَظيمًا» فرجَعَ إليهِ وقالَ لهُ: «لَتَسْبيحةٌ واحدةٌ يَقْبَلُها الله منكَ خيرٌ لكَ منَ الدُّنْيا وما فيها» .
يقولُ الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ *﴾ [سورة ص] .
اللهمَّ انْفَعْنَا بالأنبياءِ والأولياءِ والصالحينَ يا ربَّ العالمينَ.
هذا وأسْتَغْفِرُ الله لي ولَكُم.