إنَّ الحَمدَ لله نَحمدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشْكرُهُ ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنَا ومن سيئاتِ أعمالنا، مَن يهدِ الله فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِل فلا هادِيَ له، وأشهدُ أنْ لا إلـهَ إلا الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ وأشهدُ أنّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنَا وقائِدَنا وقرَّةَ أعيُنِنَا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفيُّهُ وحبيبُهُ، بَعَثَهُ الله رحمةً للعالمينَ هادِيًا ومبشّرًا ونذيرًا، بلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانَةَ ونَصَحَ الأمَّةَ فجزاهُ الله عنَّا خيرَ ما جزَى نبيًّا مِنْ أنبيائِهِ. صلَّى الله عليهِ صلاةً يقضي بها حاجاتِنا ويفرّجُ بها كُرُباتِنا ويَكْفينا بها شَرَّ أعدائِنا، وسلَّم َعليه وعلى ءالِهِ وصحبه سلامًا كثيرًا.
أمّا بعدُ فيا عبادَ الله فإِني أوصي نفسي وأوصيكُمْ بتقوى الله العليّ العظيمِ.يقولُ ربُّنا تباركَ وتعالى في مُحْكَمِ التنْزيلِ: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ *﴾ [سورة الحشر] .
فَبَعْدَ هذهِ الآيةِ العظيمةِ فلْنَسْتَمِعْ بإصغاءٍ جيّدٍ وبِخُشوعٍ لِما وَرَدَ في كِتابِ الله العظيمِ في سورةِ الإسراءِ ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا *تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا *﴾ . فهذا العالمُ كلُّه يُسَبِّحُ بحمدِ الله لكنَّ النّاسَ لا يفْقَهونَ تسبيحَ جميعِ المخلوقاتِ، السماواتُ السبعُ والأرضُ والأشجارُ والجبالُ والأحجارُ والماءُ ونحوُ ذلكَ كلها تسبّحُ بحمْدِ الله، هذهِ الجمادات التي لا أرواحَ لها تسبّحُ الله كما يُسَبّحُ ذوو الأرواحِ.
ومِمّا يَشْهَدُ لِذلكَ أنَّ جَبَلَ الطّورِ الذي أَمَرَ الله سيدنا موسى بأَنْ يذهبَ إليهِ رأى الله تعالى الذي ليسَ كمِثْلِهِ شىءٌ، وسيدنا موسى لمْ يَرَهُ، والله تعالى لَمّا طلَبَ سيدنا موسى أنْ يراه أوحى إليهِ أنّهُ لا يراهُ أي في الدُّنْيا، أمرَهُ بأنْ ينظُرَ إلى الجبَلِ فإِنِ استَقَرَّ مكانَهُ فَسَوْفَ يراهُ فلمَّا تَجَلَّى الله للجَبَلِ أي أرى الله الجبلَ ذاتَهُ الذي لا يشبِهُ شيئًا الذي ليسَ في جهةٍ ولا مكانٍ انْدَكَّ الجبلُ أيْ تَحَطَّمَ، مِنْ هَيْبَةِ رُؤْيَةِ الله تَحَطَّمَ، موسى لَمّا رأى هذا أيْ تَحَطُّمَ الجبلِ، لمَّا رأى كيفَ انْدَكَّ الجبلُ وقعَ مغْشِيًا عليهِ. لوْ كُنّا نَرَى الله في هذِهِ الدُّنْيا لَما عَصَيْناهُ، لَخَشينَاهُ خَشْيَةً بالِغَةً، لذلكَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا سُئِلَ عَنِ الإِحْسانِ قالَ: «أنْ تَعْبُدَ الله كأنّكَ تراهُ فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنّهُ يراكَ» الله يرانا، الله مطّلعٌ عليْنا، الله لا تخفى عليهِ خافيَةٌ، الواحدُ منّا تَخْفَى عليهِ الخَفِيّاتُ، أمّا الله لا تخفى عليهِ خافِيَةٌ. يقولُ الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا *﴾ [سورة الزلزلة] . يومَ القيامةِ تحدّثُ الأرضُ أي تُخبر بِما عمِلَ عليها منْ خيرٍ أو شَرٍّ، الله يُنطِقُها فتَشْهَدُ على العبادِ نُطقًا بِما عمِلوا عليها، المؤمنونَ الأتقياءُ لا تشهدُ عليهِم إلا بالحسناتِ لأنَّ سيّئاتِهِمْ مُحِيَتْ عنْهُم، وأمَّا الكافرُ فإنّها تشهَدُ عليْهِ بِما عَمِلَ من الكفرِ والعصيانِ وليسَ لهُ حسنَةٌ واحدةٌ تشهَدُ الأرضُ لهُ بها ، أمّا عصاةُ المسلمينَ فهؤلاءِ قسمانِ: قسمٌ تشهَدُ عليهِمْ بِما عمِلوا من الحسناتِ والسيّئاتِ، وقسمٌ يسْتُرُهُمُ الله فلا يُشهِد الأرضَ عليهِمْ بِما عمِلوا على ظهرِها.هذهِ هي أخبارُ الأرضِ. ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا *بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا *﴾ [سورة الزلزلة] .
تحَُدِّثُ أخبارَها بِوَحْيِ الله وإذنِهِ لها، «أَوْحى لهَا» أي أَوْحى إِليْها وأَذِنَ لها أنْ تُخْبِرَ بما عُمِلَ عليها.
فَمِنْ هذهِ الآيةِ يُفهَمُ أنَّ الأرضَ في ذلكَ الوقتِ يخلُقُ الله فيها إدراكًا فيُعْلِمُها بما كانَ يُعمَلُ على ظَهْرِها. الله تباركَ وتعالى يَجْعَلُ في بعضِ الجماداتِ إدراكًا فَتَنْطِقُ، الجِذْعُ اليَبيسُ الجامدُ حنَّ وأنَّ واشتكى لِفِراقِ رسولِ الله محمّدٍ صلى الله عليه وسلم، الله تعالى خلَقَ فيهِ الإدراكَ وشدَّةََََ الشَوْقِ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
ومِمّا يَشْهَدُ أيضًا أنَّ الله يجعَلُ في بعضِ الجماداتِ إدراكًا أن ثلاثةً منَ المسلمينَ الذين كانوا قبلَ هذهِ الأمّةِ، كانوا في سفرٍ فدخلوا غارًا لِيَسْتَريحوا فوقَعَتْ صخرةٌ من قمَّةِ الجبلِ فَسَدَّتْ فَمَ الغارِ فلم يبقَ فُرْجَةٌ يستطيعونَ أنْ يَخْرجوا مِنْها، فقالَ بعضُهُم لبعضٍ. كلٌّ منّا يدعو الله تعالى بصالِحِ عَمَلِهِ (أي بِعَمَلٍ صالح لله تعالى) ليُفرّجَ عنّا. فدعا أحدُهُم فانفرَجَ مِنْ فَمِ الغارِ مقدارٌ لا يستطيعونَ الخروجَ منه، ثُمَّ دعا الثاني بِصالِحِ عَمَلِهِ فانفرج الغارُ بعضَ الشىءِ بحيثُ لا يستطيعونَ الخروجَ، ثُمَّ لَمّا دعا الثالثُ انفرَجَ بحيثُ يستطيعونَ الخروجَ. الرسولُ صلى الله عليه وسلم قالَ: «تلكَ الصخرةُ هَبَطَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله» . يقولُ الله تعالى في القرءانِ العظيمِ عن اليهودِ ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ *﴾ [سورة البقرة] . اللهمَّ استُرْنا فَوْقَ الأرضِ وتحتَ الأرضِ ويومَ العرضِ يا ربَّ العالمينَ.
هذا وأسْتَغْفِرُ الله لي ولَكُم.